قصص و روايات - قصص بوليسية :

قصة جريمة في وادي النيل ف2

قصة : جريمة في وادي النيل الفصل الثاني

جريمة في وادي النيل للكاتبة أجاثا كريستي

للكاتبة أجاثا كريستي

مفاجأة

كانت مسز الرتون جالسة مع ابنها تيم في بعض تلك المقاعد القرمزية المصنوعة من القش في حديقة فندق كتراكت بمدينة اسوان وكانا يراقبان شخصين أحدهما رجل قصير القامة يرتدي بدلة من الحرير الأبيض والآخر فتاة طويلة القامة نحيفة وقالت السيدة الرتون لإبنها :
- هذا الرجل هو هركيول بوارو المخبر السري المشهور
فاعتدل تيم في جلسته منتبها وقال بدهشة عظيمة :
- أهو هذا الرجل القصير المضحك ؟
- هو بعينه
- وماذا يصنع هنا ؟
- ولكن لماذا ننزعج هكذا ؟ لست أظنه على كل حال هنا لغير النزهة فقد جمع ثروة كبيرة من مهنته
- وأراه لايبخل على نفسه بصحبة أجمل فتاة في الفندق
والواقع أن الفتاة كانت أطول من بوارو بثلاث بوصات وكانت مشيتها رشيقة وملامحها جميلة ولكن تبدو
عليها آيات الضيق والتجهم وكانت هذه الفتاة هي روزالي اوثربون وكانت تتحدث الى بوارو عن تلك الرحلة النبيلة الى وادي حلفا وهما في طريقهما للتجول في شوارع المدينة وتفقد محال الأثار وفي طريق عودتهما وجدا زحاما على الشاطىء بسبب وصول باخرة نيلية تقل الركاب من القاهرة فوقف بوارو
وروزالي يشاهدان النزلاء الجدد الذين سيحلون معهما في الفندق فانتهز تيم الرتون الفرصة وانضم اليهما ليتمتع بقرب الفتاة الذي أعجب بها منذ رآها واذا به يصيح بعد قليل :
- على اللعنة اذا لم تكن هذه لينيت ريدجواي
ولئن كان بوارو لم يكثرث لهذه العبارة الا أن روزالي تحركت لها وتخلت عن وجومها المألوف لتتأمل المليونيرة التي شغلت الأوساط الرقية في بريطانيا تلك السنة في حين استطرد تيم الرتون
- انها هذه المتشحة بالبياض وهذا الرجل المديد القامة الذي يقف بجانبها هو زوجها سيمون دويل.
- لقد كانت صورتها في جميع الصحف انها أغنى امرأة في انجلترا
- وهي الى هذا حسناء
- نعم السماء تحابي بعض الناس فتمنحهم كل شيء

وكانت لينيت تعلم ان جميع الأنظار موجهة اليها فكانت تهبط سلم الباخرة في رشاقة وثقة بالنفس
أشبه بثقة الممثلة القديرة وهي تخطر على المسرح عند ارتفاع الستار في غير مبالاة بتلك الأنظار
لأنها أصبحت شيئا مألوفا في حياتها وكان زوجها يتحدث اليها بصوت خفيض يفيض رقة وعيناه تنطقان بالرعاية والهيام فلما مرا بجوار بوارو ورفيقيه طرقت مسمعه نبرات صوت سيمون فقطب حاجبيه وحدق في الشاب النظر أما تيم الرتون فقال :
- ياله من حظ عظيم لقد ظفر بالمال والجمال
فقالت روزالي بلهجة لاتخلو من حسد :
- انهما يبدوان في غاية السعادة ..والله ان هذا لكثير
ولكنها قالت العبارة الأخيرة بصوت منخفض حتى لايسمعها تيم ولكن بوارو سمعها فقال لها بعد أن غادرها تيم ليلحق بوالدته :
- من يدريك انهما سعيدان ؟ لماذا لاتكون ضحية لثرائها ؟
- ألم تر كيف يهيم بها ؟
- رأيت ولكنني رأيت شيئا آخر أيضا رأيت خطوطا سوداء تحت عيني العروس ورأيت يدها تقبض على مظلتها بقوة عصبية حتى ابيضت مفاصل أصابعها ان لها سرا ثم انني أعرف شيئا آخر أعرف ذلك الصوت لأنني سمعته من قبل أعني صوت السيد سيمون دويل وان كنت لاأدكر أين سمعته على وجه التحديد
- ربما ربما ولكنني مع هذا أشعر نحوها بكراهية شديدة فهي ظاهرة الثقة بنفسها كأنها ملكة تستطيع
ان تحصل على كل شيء تشتهيه في حين أنني ..عفوك أظن انه ينبغي ان ألحق الآن بوالدتي فانها متوعكة
وكانا قد وصلا الى البهو المعتم فتركته مسرعة وقد خجلت مما بدر منها من عواطف الغيرة والحسد ..فاتجه المسيو بوارو الى شرفة الفندق المطلة على النيل حيث كانت قد بسطت موائد الشاي ولكن الوقت لم يكن قد حان فوقف يتأمل النهر المتدفق لحظة ثم اتجه الى الحديقة فوجد فريقا من النزلاء يلعبون التنس في الشمس الحامية فوقف يرقبهم قليلا ثم شرع يمشي في الممرات بين
الأشجار وهناك على مقعد من تلك المقاعد الخشبية المواجهة للنيل وجد الفتاة التي رآها تلك الليلة
وهو يتعشى في مطعم (عند عمتي) فعرفها على الفور ولكن تعبير وجهها هذه المرة كان يختلف كل الإختلاف عن تعبيره ليلة المطعم فهي التوم شاحبة وهي ليلتئد كانت تمثالا حيا للبهجة والحيوية
وتراجع بوارو قليلا ولم تكن الفتاة قد رأته فراح يرقبها عن كثب على غرة منها فرآها تدق الأرض بقدمها الصغيرة في صبر نافذ ورأى في الشرر الذي يندلع من عينيها ما يدل على العذاب والإصرار واكتملت
الصورة في ذهنه فان وجهها قد دكرة بصوت الشاب ..لقد كان سيمون دويل زوج المليونيرة الحسناء
لينيت هو ذلك الشاب الذي كان بصحبة هذه الفتاة الوحيدة المعذبة جاكلين ليلة المطعم حيث لفت نظره
تدلهها في حبه وفي هذه اللحظة ترامت الى سمعه أصوات تقترب فاذا الفتاة الجالسة فوقالمقعد تنهض واقفة على قدميها ثم ثم اذا لينيت دويل وزوجها ينحدران الى ذلك الموضع من الممشى وكان صوت لينيت ينبىء عن السعادة والثقة فلما اقتربت رأى بوارو ان ذلك التوتر قد فارق عضلات وجهها وان السعادة كانت تفيض من كل جارحة فيها وتقدمت الفتاة التي كانت جالسة نحوهما خطوتين فاذا العروسان يجمدان في مكانهما مأخودين
وهتفت جاكلين دي بلفور :
- أهذه أنت يا لينيت ؟ يخيل الي اننا لن ننتهي من ذلك الإلتقاء على غير اتفاق وعلى غير ميعاد
وبايماءة من رأسها ودعتها وابتعدت بين ظلال الأشجار فاتجه بوارو بخفة الى الناحية المقابلة ولكن بعد ان سمع لينيت يقول ؟
- بربك يا سيمون ماذا نصنع ؟

بعد العشاء

انتهى العشاء وكانت شرفة الفندق تسبح في ضوء ضعيف لطيف هادىء وقد جلس معظم النزلاء على الموائد الصغيرة يستمتعون بأنسام المساء الدافىء وأقبلت لينيت دويل وزوجها ومعهما رجل طويل القامة وجيه المنظر أبيض الشعر حليق الدقن ينطق كل شيء فيه بالنمط الأمريكي لرجال الأعمال
ووقف الثلاثة بباب الشرفة مترددين فخف اليهم تيم الرتون وقال للينيت ببشاشة :
- لعلك لاتذكرينني أنا ابن خالة جوانا ساوثورد
- نعم نعم ..ما أغباني أنت تيم الرتون ..هذا زوجي وهذا الوصي الأمريكي على أملاكي المستر بننجتون
- تشرفنا ..وأعتقد انك يجب ان تتعرفي بوالدتي
وبعد دقائق كان الجميع يجلسون على مائدة واحدة مع السيدة الرتون وتحرك الباب المزدوج فالتفتت
لينيت نحوه باهتمام واذا برجل قصير القامة يدخل ويخترق الشرفة فابتسمت السيدة الرتون وقالت :
- انك لست الشخصية الوحيدة المشهورة يا عزيزتي فهذا الرجل القصير المضحك هو هركيول بوارو
وكانت السيدة الرتون تقول لها الكلام على سبيل الدردشة التي تتصيد النساء مناسباتها من هنا وهناك لقطع الوقت ولكن يبدو ان لينيت فوجئت بهذا النبأ واهتمت له اهتماما خاصا :
- هركيول بوارو ؟ لقد سمعت به طبعا
وشرد بصرها بعد ذلك حتى لقد وجد تيم وبننجتون صعوبة في مجادبتها أطراف الحديث برهة غير قصيرة
وكان بوارو قد اخترق الشرفة حتى وصل الى الحاجز واذا بصوت نسائي يسترعي انتباهه قائلا :
- اجلس يا مسيو بوارو انه لمساء جميل
فصدع بالأمر قاءلا بالفرنسية التي كان يمزجها بالإنجليزية :
- أجل يا سيدتي انها ليلة جميلة حقا وابتسم تأدبا لسيدة اوثربون مؤلفة الروايات التي كانت ترتدي تلك العمامة السخيفة الملفتة للنظر فوق ثوب أسود أسخف منها أيضا فاستطردت
- أرى المكان قد أصبح حافلا بالشخصايات البارزة وأتوقع أن نرى نبذة عن ذلك في الصحف عما قريب
فهناك حسان المجتمع والمؤلفون والمشهورون والمؤلفات أيضا.
وتوقفت لحظة ضحكة تواضع مصطنع فشعر بوارو ان ابنتها التي كانت تجلس في مواجهته قطبت جبينها استنكارا ولكنه تعمد ألا يرفع عينيه اليها حتى لايحرجها ويزيدها خجلا وقال للأم :
- هل تنتظرين رواية عما قريب يا سيدتي ؟
وكأنه كان يسأل هل تنتظرين مولودا جديدا ولكن المؤلفة لم تنتبه الى ذلك التهكم الخفي وانطلقت تقول :
- الواقع انني أصبحت أستمتع بالكسل في المدة الأخيرة مع انني يجب ان أسرع وأجد في العمل
فجمهوري قد نفد صبره وناشري المسكين يستعجلني في كل بريد وبالبرقيات أحيانا
وشعر بوارو ان الفتاة قد تجهمت مرة أخرى أما الأم فمضت تقول :
- لست أكتمك يا مسيو بوارو اني هنا في الوقت الحاضر كي استوحي معاني جديدة ستظهر في روايتي الجديدة ان عنوانها ثلج على وجه الصحراء وهو عنوان قوي يا مسيو بوارو ومثير ثلج ..يا مسيو بوارو على وجه الصحراء يا مسو بوارو..يذوب عندما تهب عليه أول نسمة لافحة من نسمات العاطفة المتأججة.
وعندما نهضت روزالي وغمغمت كلمات غير مفهومة على سبيل الإعتذار ثم انطلقت حتى اختفت في الحديقة المظلمة أما الأم فراحت تسوي طيات العمامة المتكررة بيديها وهي تقول :
- القوة لابد منها ..لحم قوي هذه هي كتبي أجساد قوية تفيض بالقوة والحيوية صحيح ان المكتبات
العامة والمدرسية تقاطعها لأنها روايات حافلة بالمسائل الجنسية ولكن لابأس انني أقول الحق
الجنس يا مسيو بوارو هو عمود الحياة فلماذا يتنكر له الناس ويخشون مواجهته ؟ هل قرأت كتبي
يا مسيو بوارو ؟
- واأسفاه يا سيدتي ان عملي كما تعلمين لايدع لي وقتا
- لابد اذن ان أعطيك نسخة من روايتي تحت شجرة التين واني واثقة كل الثقة انك ستجدها ذات مغزى
عظيم ..انها واقعية.
- هذا تلطف عظيم منك يا سيدتي ..وسأقرؤها بكل لذة
- أظن انه يجب ان أذهب الآن وأحضر لك النسخة
- لاتجشمي نفسك هذا العناء ..فيما بعد
- لاعناء على الإطلاق اني متلهفة ان أريك...
- الى أين يا أماه ؟
وكانت روزالي قد عادت في هذه اللحظة فوجدت أمها تهم بالنهوض
-لاشيء يا عزيزتي كنت ذاهبة لإحضار نسخة للمسيو بوارو
- من شجرة التين ؟ سأحضرها أنا
- انك لاتعرفين مكانها ياعزيزتي ..سأذهب أنا
- بل أعرف
وبسرعة فائقة انطلقت الفتاة الى ذاخل الفندقوأشار بوارو الى أحد السقاة ثم سأل مسز اوثربون:
- ألك في كأس من الشراب يا سيدتي ؟
فهزت رأسها بحدة وقالت :
كلا كلا اني من أنصار تحريم الخمور ولعلك لاحظت اني لا أتناول شيئا من المائدة سوى الماء أو عصير الليمون .
أما بوارو فطلب لنفسه كأسا من النبيد وأقبلت عنذئذ روزالي وفي يدها الكتاب فكتبت عليه السيدة اوثربون اهداء ثم أعطته اياه فاذا على الغلاف الملون صورة سيدة معقوصة الشعر على آخر طراز قرمزية الأظافر جالسة على جلد نمر وليس عليها من الثياب الا ورقة توت ومن فوقها شجرة أوراق البلوط وثمار التفاح ومكتوب بخط كبير تحت شجرة التين وتحت صورة المرأة مكتوب بخط واضح(بقلم سالومي اوثربون)

فانحنى بوارو وقال :
- انه لشرف عظيم لي يا سيدتي
وفيما يرفع رأسه على اثر الإنحناء التقت عيناه بعيني ابنتها ..فقرأ فيهما الكثير من الألم الحبيس المتأجج
وأحضر الساقي الشراب وساد الصمت بين الثلاثة لحظة طويلة وهم يحدقون في الصخور السوداء البارزة في مجرى النيل.

وفجأة تحرك الباب الكبير فاتجهت اليه الأنظار واذا بفتاة سمراء في ثوب سهرة بلون النبيذ تظهر منه وقد
وقفت تتأمل الناس برهة ..ثم مشت بأناة الى مائدة خالية فقالت مسز اوثربون بحنق :
- يبدو ان هذه الفتاة تظن نفسها شيئا ذا بال
ولم يجب بوارو لأنه كان مشغولا بمراقبة الفتاة التي كانت تحملق باصرار في لينيت دويل واذا بها تقوم فتجلس في الناحية الأخرى من المائدة فغيرت الفتاة مقعدها كذلك كي تظل في مواجهة لينيت .وهز بوارو رأسه مرارا وبعد ربع ساعة نهضت لينيت دويل فجأة وذخلت الفندق فتبعها زوجها على الفور
أما جاكلين دي بلفور فابتسمت وأدارت مقعدها لتستقبل صفحة النيل ثم أشعلت سيجارة واستغرقت في تأمل مياه النهر الصغير وهي تتدفق في بهجة ولطف .

مع المخبر السري

انصرف الجميع تلك الليلة الى مخدعهم أما بوارو فبقي وحده في الشرفة يستمتع بجمال اليل وفيما
هو منصرف بخواطره وأحلامه الى الصخور الناعمة التي تبرز من مجرى النهر طرق سمعه صوت يقول مسيو بوارو ..فانتبه وقفز واقفا على قدميه ..وكان الصوت الذي ناداه يدل على تربية حسنة وثقة بالنفس وشيء من الكبرياء مع نعومة فيه وعذوبة والتقت عيناه بعيني لينيت دويل وكانت ترتدي شالا من
القطيفة الثمينة الحمراء فوق ثوبها الحريري الناصع البياض فبدت له عن قرب أجمل مما تصورها من قبل وقالت :
- أأنت المسيو هركيول بوارو ؟
- في خدمتك يا سيدتي
- لعلك تعرف من أنا ؟
- نعم يا سيدتي ..قد سمعت اسمك وأعرف من أنت
- ألك يا مسيو بوارو في التوجه معي الى قاعة اللعب فانني شديدة اللهفة على ان اتحدث اليك
- في خدمتك ياسيدتي
فاقتادته الى حجرة خالية من حجرات اللعب وحرصت على اغلاق الباب عليهما ثم جلسا الى احدى الموائد الصغيرة وطرقت الموضوع في غير لف وبغير مقدمات
- لقد سمعت عنك الكثير يا مسيو بوارو وأعلم أنك رجل عظيم البراعة فائق القدرة واتفق في الوقت الحاضر ان أكون بحاجة ماسة الى شخص يسدي الي يدالعون وأعتقد أنك بلا ريب ذلك الشخص
- هذه رقة بالغة منك يا سيدتي ولكنك ترين انني في اجازة وحينما أكون في اجازة لاأرتبط بعمل مطلقا
- هذه مسألة يمكن تدبيرها فالواقع يا مسيو بوارو انني فريسة مطاردة لاتفتر ولابد من وضع حد لها بأي ثمن وقد كان رأيي ان ألجأ الى البوليس ولكن زوجي يعتقد ان البولسي لا سلطان له في هذا الموضوع
- ربما كان على صواب
- سأشرح لك الموضوع باجمال حتى تحكم بنفسك فقد كان زوجي قبل ان ألتقي به خاطبا للآنسة جاكلين دي بلفور من أقدم صديقاتي ثم فسخ خطبته لها فانهما لم يكونا متلائمين وقد حز هذا في نفسها للأسف الشديد واني آسفة لما حدث لها كثيرا ولكن هذه الأمور لايد للإنسان فيها وقد عمدت الى التهديد ولكني لم أكثرت لتهديداتها والحقيقة انها تحاول وضع تلك التهديدات موضع التنفيد بيد انها اتخدت خطة غريبة جدا هي ملاحقتنا أنا وزوجي أينما ذهبنا أو أقمنا
فرفع بوارو حاجبيه دهشة وقال :
- الواقع انه انتقام من نوع غير مألوف
- غير مألوف وسخيف ولكنه أيضا مزعج
- لقد قدرت ذلك فأنتما فيما أعتقد في شهر عسل ؟
- نعم وقد حدثت المطاردة الأولى ونحن في البندقية فالتقينا هناك في مطعم دانييلي واعتقدت ان المسألة محض مصادفة وان كانت مصادفة محرجة ثم اذا بنا نجدها معنا على ظهر السفينة عند ابحارنا من ميناء برنديزي وقد اعتقدنا اها ذاهبة الى فلسطين فنزلنا في الإسكندرية على اعتقاد اننا تركناها في السفينة واذا بنا حين وصلنا الى فندق مينا هاوس بالباخرة النيلية والواقع انني كنت أتوقع ان أكتشفوجودها على تلك الباخرة فلما لم أجدها ظننت انها قد أقلعت عن هذه الصبيانيات ولكن ما ان وصلنا حتى وجدناها تكمن في هذه الفندق في انتظار وصولنا اليه
- وأنت تخشين أن تستمر هذه اللحظة
- نعم والمسألة كلها فارغة من المعنى فان جاكلين تزري بنفسها ويدهشني ان يعوزها الإحترام والشعور بالكرامة الى هذ الحد.
- هناك أوقات يا سيدتي تتوارى فيها مشاعر الإحترام والكرامة والوقار لتخلي السبيل لعواطف أقوى وأشد
- ربما ..ولكن بحق السماء ماذا تأمل أن تكسب من وراء هذا كله
- ليست المسألة في جميع الأحوال مسألة مكسب وخسارة يا سيدتي
- الحق معك ومناقشة الدوافع خارجة عن نطاق بحثنا الآن فالمقصود هو كيف نضع حدا لهذا الموقف ؟
- وكيف تظنين ان ذلك مستطاع ؟
- لاريب اني لاأطيق أنا وزوجي أن نظل فريستين لهذه المضايقة المستمرة فلا بد أن هناك نوعا من الإجراء المشروع ضد ذلك المسلك
- هل هددتك بكلمات صريحة علنا ؟ هل سبتك ؟ هل حالت الإعتداء عليك اعتداء جسمانيا ؟
-كلا
- اذن لا أرى مخرجا يا سيدتي فاذا كان يلذ لسيدة شابة أن تسافر بوسائل معينة وتقيم في أمكنة معينة وهي الوسائل والأمكنة التي يروق لك ولزوجك اختيارها فلا جناح عليها فالهواء مشاع لجميع الناس
وهي لا تتطفل على خلوتك وانما كل التمائها بك في الأماكن العامة
- أتعني انه لافائدة من محاولة منعها من مطاردتنا ؟
- لافائدة على الإطلاق فيما أرى فالآنسة جاكلين دي بلفور تسلك في حدود حقها المشروع
- ولكن هذا شيء لايطاق
- في استطاعتك ان تغادري المكان الذي لاتستريحين فيه
- ولكنها ستتبعنا الى المكان الجديد
- من المحتمل جدا فليس هناك ما يمنعها من ذلك
ولكن لماذا نهرب نحن منها ؟
- هذا بالضبظ يا سيدتي هو جوهر الموضوع لماذا تهربين ؟ وماذا يضايقك من وجودها ؟
- لماذا ؟ لقد أخبرتك بالقصة
فتراجع بوارو في مقعده وعقد ذراعيه فوق صدره وقال بهدوء :
- أعيريني سمعك يا سيدتي فسأقص عليك قصة صغيرة فمنذ شهر أو شهرين كنت أتعشى ذات يوم
في مطعم بمدينة لندن وكان الى المائدة المجاورة رجل وفتاة وكانا سعيدين جدا ومتحابين وكانا يتحدثان بثقة تامة عن المستقبل ولم أر وجه الرجل لأن ظهره كان الى جهتي ولكنني كنت أرى وجه الفتاة وكان وجهها ناطقا بأنها عاشقة بكل قلبها وروحها وجسدها فلم تكن الفتاة من اللواتي يحببن حبا يسيرا يبدلنه
كلما غسلن وجوههن حين يستيقظن من النوم بل كان واضحا لعيني أن الحب عندها هو الحياة أو هو الموت وكانا مخطوبين وكانا حديثهما عن شهر العسل وكيف يقضيانه في ربوع مصر
وانقضى الشهران لم أر فيهما وجه الفتاة ولكنني لن أنسى ما حييت هذا الوجه ولايمكن الا أن أتذكره ان رأيته يوما ما وأتذكر أيضا صوت الرجل فأين تظنين أني رأيت وجه الفتاة وسمعت صوت الرجل بعد ذلك ؟ هنا يا سيدتي في مصر وكان الرجل في شهر عسل أجل ولكنه عسل يشترك فيه مع امرأة أخرى..
- وماذا في ذلك ؟ لقد دكرت لك الوقائع بنفسي
- الوقائع ..نعم
- وبعد
- كانت الفتاة ليلة المطعم قد أشارت الى صديقة لها وكانت تؤكد لخطيبها ان صديقتها تلك لن تخدلها وكانت الصديقة فيما أظن يا سيدتي هي أنت
- نعم فقد دكرت لك بنفسي أننا كنا صديقتين
- وكانت لها فيك ثقة ؟
- نعم
وظهر على لينيت التردد لأول مرة منذ بدء الحديث ثم قالت :
- لقد حالفها وحالف الموضوع كله سوء الطالع ولكن هذه الأمور تقع كثيرا في الحياة يا مسيو بوارو
- انها تقع يا سيدتي ..فلا بد قد سمعت وأنت في دور العبادة فصولا من التوراة يتلوها القسيس أو الشماسوربما سمعت من بين تلك الفصول قصة داودالملك والإشارة الى الرجل الغني صاحب القطعان التي لايحصيها العدد والرجل الفقير الذي لم يكن يملك الا نعجة واحدة وكيف ان الغني اشتهى لنفسه نعجة الفقير ومد يده اليها هذه أشياء تقع حقيقة يا سيدتي
فاعتدلت لينيت في جلستها واتقدت عيناها وهي تقول :
-انك تعتقد انني سرقت خطيب صديقتي وتنظر الى المسألة من وجهة نظر عاطفية شأن أبناء زمنك
ولكن الحقيقة المجردة خلاف ذلك على خط مستقيم فلست أنكر ان جاكلين كانت متيمة بحب سيمون
ولكن لاأظنك قدرت انه لم يكن متعلقا بها تعلقها به فلما التقى بي سيمون أدرك انه يحبني أنا لا جاكلين فماذا يصنع ؟ هل كان يصطنع البطولة ويتزوج امرأة لايحبها فيحطم ثلاثة قلوب ؟ ولو انه كان متزوجا بها فعلا حين التقى بي لكنت وافقتك على ان واجبه ان يتمسك بها وان كانت المسألة مع ذلك فيها نظر فان شقاء أحد الزوجين يشفي الزوج الآخر فما بالك والخطبة ليست كالزواج ؟ وليس للخطبة معنى الا أنها فرصة يراجع فيها الطرفان نفسيهما حتى اذا تبين لهما خطئهما أصلحاه قبل أن يفت الأوانف فيندما حيث
لاينفع الندم وأعترف ان زواجنا وقع على جاكلين وقعا أليما واني آسفة كل الأسف ولكن لاحيلة لي فقد كان الذي حدث أمرا مقضيا لامناص منه.

- عجبا أيما عجب ان ما تقولينه معقول ومنطقي جدا ولكنه لايفسر لي مسلكك أنت يا سيدتي فان مطاردتها تضايقك أوتثير في نفسك الرثاء لهذه المسكينة التي أفقدتها الضربة اتزانها ولكنك لم تشعري بالحرج ولابالرثاء بل ثرت وشعرت ان الموقف لايطاق فلماذا ؟ ليس لذلك الا تعليل واحد هو الشعور بأنك
مذنبة حقا
- كيف تجسر على ذلك ؟
- بل أجسر يا سيدتي ثم أجسر وسأتحدث اليك في صراحة تامة ان الحقيقة التي تعلمينها ولايمكن ان تخدعي نفسك عنها هي انك اختلست خطيب صديقتك اختلاسا مدبرا متعمدا وأعتقد انك شعرت نحوه
بانجداب قوي أول وهلة وانك تردت ثم اخترت طريقك بمحض ارادتك وكان الإختيار بيدك أكثر مما كان
بيد المسيو دويل ..فأنت جميلة وغنية وذكية وقد استخدمت سحرك حيث كان في استطاعتك ان لاتستخدميه فعمدت الى أسره بفتنتك عمدا ومع سبق الإصرار وكانت الدنيا أمامك واسعة تملكين الإختيار من بين مئات الشبان أما صديقتك فلم يكن لها الا ذلك الرجل وكنت تعلمين هذا وكان في استطاعتك ان تقبضي يدك ولكنك مددتها كما مد الرجل الغني يده الى نعجة جاره الفقير.
وساد الصمت لحظة ووجدت لينيت صعوبة في التغلب على انفعالها الى ان قالت بصوت فاتر :
- كل هذه خارج عن الموضوع
- كلا بل هذا هو لباب الموضوع فهو تفسير انزعاجك الشديد كلما فوجئت بجاكلين دي بلفور فأنت مقتنعة في أعماق سريرتك انها على حق ولا تؤاخديني على هذه الصراحة فان علم النفس لايأبه كثيرا
الا للوقائع المجردة.
- وبفرض ان ما تقوله صحيح وان كنت لاأعترف بذلك فما العمل يا مسيو بوارو ؟
- ان عقلك المرتب يفتيك بأن مافات مات وان ما كتب قد كتب الا التجلد والصبر
- ألا تتكرم بالتحدث الى جاكلين لعلك تقنعها بالإقلاع عن هذه الخطة ؟
- ربما فعلت ذلك ..ولكن لاتنتظري له ثمرة ترضيك فان جاكلين فر يسة فيما أعتقد لفكرة لن تتحول عنها
- أتعتقد اذن انه لافائدة ؟
- في استطاعتك ان تعودي مع زوجك الى انجلترا فتقيما في قصركما الريفي قصر وود
- أظنها تتبعنا الى هناك وتقيم في القرية بحيث أراها كلما خرجت من أسوار الحديقة ثم انني لا أظن
سيمون يوافق على الهروب والتراجع.
- وما هو موقفه ؟
- انه غاضب الى حد الثورة
فهز بوارو رأسه شأن من يفكر وقالت لينيت برجاء :
- هل ستخاطبها في الأمر ؟

- نعم سأخاطبها وان كنت ضعيف الأمل في النجاح وهل لي ان أعرف شيئا عن التهديدات التي هددتك بها ؟

- لقد هددت بقتلنا نحن الإثنين أنا وسيمون

فظهر الإهتمام على وجه بوارو وهز رأسه مليا فقالت له لينيت بلهجة لا تخلو من الضراعة

- هل تعمل لحسابي يا مسيو بوارو ؟

فقال لها بلهجة حازمة :

- كلا يا سيدتي ..أنا لا أقبل العمل لحسابك وان كنت سأفعل ما في وسعي بدافع من الشعور الإنساني

وسأبدل كل ما في جهدي لفض النزاع ولكنني لست شديد التفاءل ولا وطيد الأمل في النجاح....

الآراء والتعليقات على القصة
أفضل القصص و الروايات حسب الأكثر قراءة: