قصص و روايات - قصص بوليسية :

قصة اجاثا كريستي جريمة في وادي النيل الجزء السادس

- جثة امرأة أخرى-

وتحت السرير كانت جثة امرأة ميتة عرفت وهي على قيد الحياة باسم لويز بورجيه وانحنى الرجلان فوقها ثم كان ريسي أسبقهما الى النهوض قائلا :
- لقد ماتت منذ وقت لايزيد على الساعة إلا قليلا فيما اعتقد وسأدعو الآن الدكتور بسنر لفحصها وان كان ظاهرا انها أصيبت بطعنة في القلب فماتت لتوها فهذا وجهها متقلصا يبعث الرعدة في الجسم
وتناول بوارو يدها اليمنى بلطف فظهر بين أصابعها شيء استخلصه وقدمه الى ريسي فاذا قصاصة
من الورق الملون عبارة عن جزء من ورقة نقد من ذات الألف فرنك وعندئذ قال ريسي :
- وضح الآن انها كانت تعرف شيئا عن القاتل وكتمته ثم حاولت ابتزاز المال منه بالتهديد وأظنك يا بوارو تذكر اننا لاحظنا عليها الإلتواء وهي تدلي بأقوالها
- يا لنا من مغفلين ألا تذكر انها قالت ماذا كان يمكن ان أرى وانا في الطابق السفلي ؟
أما لو انني صعدت السلم اذن لكان من الجائز ان أرى القاتل داخلا او خارجا من قمرة سيدتي هذا
ما قالته يا عزيزي بحدافيره وهذا ما حدث فقد جفاها النوم فصعدت الى السطح كي تستنشق الهواء فرأت ...وأعراها الطمع فكتمت ما رأت فانتهى بها الطمع الى هذه العملية
- ولكن هذا لايهدينا الى القاتل..قاتلها وقاتل سيدتها من قبل
- بل نحن نعرف الآن الكثير نعرف كل شيء تقريبا يا كولونيل ولكنني لا أكاد أصدق ومع هذا لست أرى مناصا ان يكون الأمر كذلك فالتهديد هو الدافع لها على كتمان الحقيقة
- ولكن لماذا دفع لها القاتل ما طلبته بالعملة الفرنسية
- ربما فاجأت للقاتل بالتهديد فاضطر ان يدفع لها كل ما معه من انواع العملة المختلفة ومن بينها العملة الفرنسية
- ولكن لماذا قتلها بعد ان أعطاها النقود ؟
- لقد أدرك ان التهديد لن ينتهي وانه سيكون دائما يحت رحمة هذه الشيطانة فانتهز فرصة انشغالها في عد المبلغ للتأكد من مقداره وطعنها الطعنة النجلاء ثم راح يجمع نقوده ولم ينس تلك الورقة التي بقي طرفها بين أصابع القتيل ولاذ بالفرار بعد ذلك
- إذن سيسهل علينا التعرف عليه عن طريق هذه الورقة المقطوعة

- لا أظن ذلك يسيرا يا عزيزي الكولونيل ..فمن كان في مثل ذكائه الذي عهدنا حتى الآن يراجع تلك
الأوراق ويعدم هذا الدليل الذي يقود الى المشنقة
وسرعان ما حضر الدكتور بسنر مأخوذا بتلك الجريمة الجديدة ففحص الجثة على عجل وأيد ما ذهب اليه الكولونيل ريسي من ان الوفاة حدثت منذ اقل من ساعة فسأله بوارو :
- هاهو نوع الأداة التي تمت بها الجريمة ؟
فقال :
- هذا فعلا شيء غريب ..انها آلة دقيقة حادة رفيعة النصل واظن اني أستطيع ان أريك شيئا من قبيلها
وخرج الدكتور بسنر فتوجه الى قمرته وأبرز مشرطا طويلا من مشارط الجراحة وقال :
- بمثل هذه يا سيدي تمت الجريمة لابمدية عادية أو سكسن من سكاكين المائدة أو المطبخ
- أليست هناك أداوتك الجراحية ناقصة ؟
- ماذا تريد ان تقول ؟ ..هل تعتقد انني انا انا كارل بسنر المعروف في جميع انحاء النمسا انا بعياداتي والطبقة العريقة النسب من زبائني زمرضاي اقتل وصيفة مسكينة ؟ هذا شيء مضحك وسخيف ثم اعلم انه ليست هناك أية آلة من الآتي الجراحية ناقصة فهي هنا جميعا سليمة كاملة في مواضعها المعهودة وفي مقدورك ان تتحقق من هذا بنفسك ولن انسى ما حييت هذه الإهانة التي لحقت بمهنتي الشريفة.
ثم أقفل حقيبة الأدوات الجراحية والقى بها بعيدا فوق سطح السفينة واستطرد صائحا :
- والآن هل تتكرمان باخلاء قمرتي فانني يجب ان انصرف الآن الى عمل الغيار لساق مريضي
فتسلل الرجلان خارجين وزمجر ريسي بكلام غير مفهوم ثم انصرف أما بوارو فاتجه الى اليسار وطرق سمعه وهو سائر طرف من حديث نسوي وضحكة ناعمة فقد كانت جاكلين مع روزالي في حجرة الأخيرة وكان الباب مفتوحا والفتاتان واقفتان بقربه ..فلما وقع عليهما ظله التفتا نحوه فحيته روزالي بابتسامة حيية فقال لهما :
- هل تغتابان أحدا ؟
فقالت روزالي :
- كلا الواقع اننا نعقد مقارنة بين أقلام أحمر الشفاه
ولمحت جاكلين ابتسامةه...فلم يخف عليها انها ستار زائف لهم دفين فتركت قلم الروج الذي كان في يدها واتجهت نحوه وتقول :
- هل حدث شيء ؟...هل جد جديد ؟
- الأمر كما تقولين فعلا يا آنسة ..فقد جد يد
وعندئذ خرجت اليه روزالي متسائلة :
- ماذا جرى ؟
- جريمة قتل أخرى
فشهقت روزالي شهقة شديدة وبدا في عينيها شيء يشبه الذعر ولكنه لم يعبأ بذلك وأردف :
- لقد قتلت وصيفة لينيت دويل
فصاحت جاكلين :
- قتلت ؟ أتقول قتلت ..؟ أتعني انها ماتت ؟
- نعم لقد قتلت ...ويظهر ان هذه الفتاة كانت قد رأت شيئا لم يكن ينبغي لها تراه ولذلك أخرس القاتل لسانها حتى لاتبوح بمعلةماتها الخطيرة
فسألته جاكلين :
- ماذا رأت ؟
- رأت شخصا يدخل قمرة لينيت دويل او يخرج منها في تلك الليلة المشؤومة وقد ماتت للأسف دون ان تدلي باسم من رأت

وفي هذه اللحظة سمعت فوق ظهر السفينة خطوات ظهرت على أثرها كورنيليا روبسون وقد اتسعت حدقتاها وفاضا رعبا ثم صاحت :
- أواه جاكلين لقد حدث شيء هائل جريمة أخرى
فالتفتت نحوها جاكلين ثم سارت معها فسار بوارو وروزالي في الإتجاه المضاد فلما ابتعدا قليلا
سألته روزالي :
- لقد لاحظت وانت تتحدث انك كنت تنظر في وجهي بامعان طول الوقت مع ان التي كانت تسألك
هي جاكلين فلماذا كنت نتظر الي ؟ وماذا كان يدور في ذهنك ؟
-هذان يا آنسة سؤالان وسوف أجيبك على سؤال واحد منهما ولكن جوابي سيكون سؤالا ثالثا :
لماذا لاتقولين لي الحقيقة يا آنسة ؟
- لست أدري ماذا تعني لقد قلت لك كل شيء هذا الصباح
- كلا ..بل هناك أشياء كتمتها عني فلم تذكري لي مثلا انك تحملين في حقيبة يدك مسدسا صغير الحجم مقبضة مرصع باللؤلؤ ولم تخبرني أيضا من الذي رأيته في تلك الليلة الماضية وانت على ظهر السفينة فما جوابك ؟
-ليس صحيحا انني أحمل مسدسا
ثم اندفعت الى قمرتها واحضرت حقيبة يدها فوضعتها بين يديه قائلة :
- هذه هي حقيبتي فتحقق بنفسك
ففتح بوارو الحقيبة ولم يجد بداخلها مسدسا فأقفل الحقيبة وأعادها اليها باسما وهو ينظر في عينيها فتناولتها ثم قالت :
- ها انت ذا ترى يا مسيو بوارو انك لست معصوما من الخطأ على شدة ذكائك وقوة فراستك وكما ان هذه النقطة غير صحيحة فالمسألة الأخرى التي أشرت اليها غير صحيحة مثلها
- كلا لا أظن ذلك
فدقت الأرض بقدمها غاضبة وقالت :
- انك تدفعني الى الجنون فما ان تضع في رأسك فكرة حتى تتمسك بها مهما كانت سخيفة
- لأنني أريد ان أظفر بالحقيقة
- وما هي الحقيقة ؟..انك لتتصرف كما لو كنت تعرفها أكثر مني فلماذا تسألني بربك يا مسيو بوارو
- أتريدني حقا على ان اقول لك ماذا أبصرت في تلك الليلة ؟
- نعم
- أعتقد انك حين درت حول مؤخرة السفينة وقفت دون قصد منك لأنك رأيت رجلا يخرج من قمرة في
منتصف الصف وهي قمرة لينيت دويل كما تبين لك في اليوم التالي وقد رأيته يخرج متسلل ويقفل الباب وراءه ثم يبتعد عن موضعك الى الناحية الأخرى بابا او بابين ثم يدخل قمرة من القمرتين الأخيرتين في الصف فهل أصبت يا آنسة ؟
فلم تجبه بشيء فأردف قائلا :
- لعلك تعتقدين انه من الخير لك ان لا تتكلمي ولعلك أيضا تخشين اذا تكلمت ان تقتلي كما قتلت المسكينة لويز بورجيه
وخيل اليه ان معركة قد نشبت في أعماق نفسها وراء شفتيها المطبقتين ثم انفرجت هاتان الشفتان واختلجتا لحظة ثم قالت
- لم أبصر أحدا.




-قتيلة ثالثة-

انتهت عملية الغيار على ساق سيمون دويل فخرجت الممرضة بويرز من قمرة الدكتور بسنر وهي كميها بيديها ..فتركت جاكلين صحبة كورنيليا وأسرعت اليها تسألها عن حالة سيمون ووصل بوارو في تلك اللحظة ليسمع جواب الممرضة ان الحالة ليست منذرة بالخطر فصرخت جاكلين قائلة :
- أتعنين انها سيئة ؟
- الحقيقة اننا سنشعر بارتياح كبير حين نصل الى اسوان ونضعه بين يدي أخصائي يفحصه ثم يسلمه الى جراح العظام وللأسف لن نصل الى أسوان قبل صباح الغد وكنا نتمنى لو وصلنا قبل ذلك ولو اننا نبدل كل ما في وسعنا
- هل سيموت ؟
- كلا يا آنسة جاكلين او هذا على الأقل ما نتمناه فالجرح في حد ذاته ليس خطيرا ولكن العقاقير
هنا غير متوفرة ولايمكن جبر العظام قبل الفحص بالأشعة ...يضاف الى هذا ان الحمى بدأت تنتابه
للصدمات العصبية التي لاتلائم الجرحى وارتفاع درجة الحرارة علامة غير مستحبة في هذه الأحوال
وانصرفت الممرضة على الأثر والدموع تفيض من عيني جاكلين حتى أصبحت لاتبصر طريقها الى قمرتها فجعلت تترنح واذا بيد تسند ذراعها فرفعت رأسها لترى بوارو الى جوارها فساعدها على الوصول الى باب قمرتها فارتمت فوق السرير والدموع تزيد انهمارا ثم أخد جسدها كله يهتز اهتزازا عنيفا بزفيرها وشهقتها
- انه سيموت ...سيموت سيموت وانا التي قتلته بيدي
فهز بوارو كتفيه وحاول ان يذكرها بأنه لافائدة من التحسر على ما فات وان ما كتب قد كتب ولا داعي للتشاؤم
- ولكنني أحبه كثيرا كثيرا جدا فتنهد بوارو وقال
- أكثر مما يجب ...ولكن ينبغي ألا تؤخذي بما سمعته من الآنسة بويرز فان ممرضات المستشفيات يملن دائما الى تكديس البلايا على رؤوس الناس وهن دائما متشائمات فممرضة الليل تبدي دهشتها حين ترى المريض لايزال حيا عند بداية نوبتها وممرضة النهار تبدي دهشتها حين تجده
قد عاش حتى الصباح فأدمغتهن محشوة باحتمالات والنكسات وذلك أشبه بمن يقود سيارة والى جانبه شخص من هؤلاء الأذكياء الفطناء يقول له بين دقيقة وأخرة ( أفرض ان عربة أعترضتك من
المنعطف الأيمن او أفرض ان سيارة النقل التي أمامك غيرت رأيها وأخدت في الممشى بظهرها فجأة او ان كلبا نهش ذراعك وانت تخرجه من السيارة للإشارة او ان العجلتين الأماميتين انفرجتا وأخيرا أفرض ان الموتور جن جنونه فانفجر او ان صاعقة نزلت من السماء فهذه كلها احتمالات تنجم
عنها الوفاة ) ولكن الذي يحدث في الغالب ان شيئا من كل هذه الإحتمالات لايقع وان الرحلة تتم
بسلام . فابتسمت جاكلين كم خلال دموعها وقالت :
- أتراك تحاول تعزيتي يا مسيو بوارو
- كلا ولكنني أؤكد لك ان المحنة قد أوشكت على الإنتهاء وانه بمجرد وصول سيمون الى مستشفى اسوان سينال العناية الواجبة ويصبح كل شيء على ما يرام
- أحقا ؟ هل سيشفى سريعا ؟
- نعم نعم ...سيكون كل شيء في النهاية على ما يرام وستعيشان كما في الحكايات وتنجبان البنين والبنات أليس كذلك
فتضرج وجهها وقالت :
- أؤكد لك يا مسيو بوارو انني لم أقصد أبدا
فهز رأسه هزة العارف وتركها وقد اطمأن الى هدوء نوبتها ..فلما صار على سطح السفينة ابتدره الكولونيل ريسي وقد كان يتمشى هناك قائلا :
- أين انت يا بوارو ؟ عندي فكرة يا رجل
- عجبا ما هي ؟
- انها كلمة سمعتها عفوا عن برقية فضتها لينيت خطأ وهي تحسبها لها مع انها بعنوان ريتشي
- هذا صحيح
- ربما لم يقدنا هذا الخيط الى شيء ولكن من يدري ؟ فلماذا لانذهب الآن ونستوضح سيمون دويل
عن ملابسات تلك البرقية فقد كان شاهد عيان ؟ هذا اذا أذن لنا صديقنا اللدود الدكتور بسنر
ولكن اتضح ان الطبيب كان لايزال ساخطا..فحينما طرقا باب قمرته قال عابسا
- ماذا تريدان الآن ؟ أتريدان رؤية مريضي مرة أخرى ؟ ولكني قلت لكما ان هذا ليس من الحكمة في شيء فهو محموم وقد عانى من الإضطراب اليوم ما فيه الكفاية بسبب موت زوجته أولا ثم موت خادمته ثانيا
وبعد توسل ووعد بعدم الإطالة غادر الدكتور بسنر القمرة منذرا بالعودة بعد ثلاث دقائق لاتزيد ثانية واحدة فتولى الكولونيل ريسي شرح الموضوع لسيمون فقال على الفور :
- نعم أذكر ظروف تلك البرقية جيدا فقد حدث ذلك ونحن في وادي حلفا وقد عدنا فورا من مشاهدة
الشلال الثاني وخيل الى لينيت انها رأت برقية باسمها معلقة على لوحة الرسائل فقد نسيت لقرب عهدها بالزواج ان اسمها قد تغير من ريدجواي الى دويل وبالخط السريع الذي كتب به البرقيات يسهل ان يخلط الإنسان بين ريتشي وريدجواي ففضت البرقية ولكنها لم تفهم منها شيئا ولم
تميز لها على حد تعبيرها رأسا من ذنب وكانت تبدي لي عجبا وحيرتها حين أقبل من الشاطىء ريتشي فانتزع البرقية من يدها وهو يتميز غضبا فخجلت لينيت وجعلت تعتذر اليه ولكنه كان فظا جدا في رده عليها حتى انها كادت تبكي
فزفر الكولونيل ريسي زفرة عميقة وقال :
- وهل تذكر يا مستر دويل شيئا من الكلمات الغريبة التي وردت في تلك البرقية ؟
- نعم فقد قرأت لينيت جانبا منها علي بصوت عال وقد جاء فيها على ما أذكر
وتوقف قليلا كأنما يلتفظ أنفاسه واذا بجلبة في الخارج وصوت مرتفع يقترب من الباب وهو يصيح :
- أين المسيو بوارو والكولونيل ريسي ؟ يجب ان أراهما فورا الأمر غاية في الأهمية لدي معلومات خطيرة هل هما لدى مستر دويل
ولم يكن الدكتور بسنر قد اغلق الباب فليس ما يحجب القمرة إلا ستارة أزاحتها الآنسة أوثربون
جانبا ودخلت كالقنبلة وقد احتقن وجهها وتشعت شعرها وتداخلت الكلمات على لسانها :
- آه يا مستر دويل لقد عرفت من الذي قتل زوجتك
فصاح سيمون بصوت عال جدا :
- ماذا تقولين ؟ أتعرفين حقا من قتل زوجتي ؟
فنظرت السيدة أوثربون الى الرجال الثلاثة نظرة ذات مغزى ثم جلست أمامهم وقالت
- لعلك يا كولونيل توافقني على ان اليد التي قتلت الخادم لويز بورجيه هي التي قتلت لينيت دويل فقال سيمون بلهفة شديدة :
- نعم نعم هذا بديهي وبعد ؟
- اذن فكلامي صحيح وانا اذن أعرف من الذي قتل لينيت دويل لأنني رأيت بعيني قاتل لويز بورجيه
- رأيته بعينيك ؟
- نعم بعيني هاتين رأيت الشخص الذي قتل لويز بورجيه
فاذا المريض المحموم يصيح بأعلى صوته :
- بربك كفى تمهيدات وابدئي القصة من بدايتها لامن خاتمتها
- اطمئن اطمئن سأحكي لكم الآن ما حدث بالضبط وبالتفصيل. ثم أخدت طويلا وفتحت فمها وقالت :
- حدث ذلك وأنا هابطة الى قاعة الطعام لتناول الغداء
والواقع انني كنت زاهدة في الأكل وذلك طبيعي بالنسبة للظروف الدامية التي أحاطت بنا هذا
النهار ولا أطيل عليكم ..ففيما انا في طريقي تذكرت انني نسيت شيئا في حجرتي فطلبت الى روزالي ان تسبقني الى قاعة الطعام ثم عدت أدراجي الى قمرتي
وعندئذ لمعت عينا بوارو بضحكة مكتومة لأنه أدرك انها عادت الى القمرة كي تختلس جرعة من الكونياك قبل الغداء. وفي هذه اللحظة أيضا أزيح جانب من ستارة الباب كأن النسيم هو الذي حركها فلم يلتفت أحد من الموجودين في القمرة الى ذلك واستطردت السيدة متلعثمة :
- والحقيقة انني كنت اتفقت مع بعض خدم الباخرة كي يحضروا الي شيئا لإستعمالي الشخصي
بدون علم ابنتي فانها حساسة ومثيرة للضجر في بعض الأحيان ولذلك
وتحركت الستارة مرة أخرى وبرز فيما بينها وبين الجدار قضيب من الفولاذ الأشهب اللامع أما السيدة اوثربون فاستطردت :
- وكان الإتفاق ان ادور حول مؤخرة السفينة في الطابق الأسفل حيث التقى بالرجل الذي ينتظرني هناك وفيما أنا ساءرة انفتح باب احدى القمرات وأطل منه شخص وكان هذا الشخص هو تلك الفتاة القتيل لويز بورجيه وكان يبدو عليها انها في انتظار حضور أحد فلما سمعت وقع اقدامي حسبتني هو ولما تبينت خطاها ظهرت عليها إمارات الخيبة واختفت داخل قمرتهاعلى الفور ولم أعلق على المسألة أهمية لأنني أولتها التأويل الطبيعي بالنسبة لفتاة مثلها فلما فرغت من مهمتي وعدت شهدت وانا عند المنعطف أحدا يطرق باب الفتاة..
وقاطعها المولونيل ريسي عندئذ قائلا :
وكان هذا الشخص..
ودوت القمرة فجأة بانفجار وامتلأت برائحة الدخان وترنحت السيدة اورثربون ثم خرت على الأرض لاحراك بها وقد أخد الدم يتدفق من ثقب وراء أذنها مباشرةوتلت ذلك لحظة صمت رهيبة تسمر فيها كل انسان في موضعه وبعدها قفز ريسي وبوارو واقفين فانحنى ريسي فوقها في حين جري بوارو خارجا ولكنه وجد سطح السفينة خاليا وعلى الأرض
عثر على مسدس ضخم وحملق فيه بوارو ثم تلفت في السطح الخالي وأسرع الى مؤخرة السفينة فاذا به يطظدم عند المنعطف بالشاب تيم الرتون الذي كان قادما بأقصى سرعة من الناحية الأخرى وصاح تيم وهويلهث :
- ماهذا بحق الشيطان ؟
- ألم تقابل أحدا وانت قادم ؟
- كلا
- اذن تعال معي
وجدبه بوارو من ذراعه وعاد ادراجه ليجد جمعا مكونا من الآنسات روزالي وجاكلين وكورنيليا وقد خرجن مدعورات من قمراتهن ومن الناحية الأخرى حيث الصالون أقبل فيرجيسون وفانثورب والسيدة الرتون وقال بوارو لتيم الرتون :
- هل معك قفاز حتى أمسك به هذا المسدس ؟ فتش في جيبك عن قفاز
-نعم هاهو
فتناول بوارو القفاز من يده فلبسه وانحنى فوق المسدس يفحصه ثم فحصه الكولونيل ريسي والجميع من حولهما وكأن على رؤوسهم الطير وقال ريسي بعد ان فرغ من فحصه :
- ان القاتل لم يهرب الى جهة الصالون فن فنثورب وفيرجيسون كانا في تلك الجهة فكان لابد ان يبصراه في هذه الحالة يا عزيزي بوارو
- ومستر تيم الرتون كان يراه لو انه جرى الى الجهة المقابلة
- أظن يا عزيزي بوارو اننا راينا هذا المسدس من قبل ولكن يجب ان نتأكد من ظنوننا أولا
وطرق ريسي باب قمرة بننجتون فلم يجبه أحد وكانت القمرة خالية فاتجه ريسي نحو الدولاب ففتح ادراجه ولكنه لم يعثر للمسدس على أثر فالتفتت الى بوارو وقال :
- هذا هو الدليل القاطع والآن أين بننجتون نفسه ؟
وخرجا الى السطح وكانت السيدة الرتون قد انضمت الى المجموعة فاتجه بوارو نحوها بسرعة وقال لها :
- سيتي خدي الآنسة اوثربون الى قمرتك واشمليها برعليتك فان والدتها ..قتلت
وقال ريسي :
- أين بننجتون بحق الشيطان ؟ ابحثوا عنه ألا توجد بصمات على هذا المسدس يا بوارو ؟
- كلا مطلقا وبعد قليل عثروا على بننجتون في الطابق السفلي جالس في حجرة الجلوس الصغيرة منصرفا الى كتابة خطابات فرفع رأسه الجميل التقاطيع وقال :
- ماذا من جديد :
- ألم تسمع الطلقة ؟
- أما وقد ذكرتني الآن فاعتقد انني سمعت صوتا يشبه ذلك ولكن لم يخطر ببالي مطلقا ان تكون هناك جريمة جديدة ومن القتيل هذه المرة يا مسيو بوارو ؟
- السيدة اوثربون
فظهر الذهول على وجه الرجل وقال :
- السيدة اوثربون ؟ انك تذهلني ..انني لاأتصور هذا مطلقا وفي ظني ان هنك شخصا مجنونا مصابا بداء القتل فوق هذه السفينة يقتل النساء خاصة وبدون أسباب
- وكم لك من الوقت في هذه الغرفة ؟
- حوالي عشرين دقيقة
- ألم تغدرها في تلك الأثناء ؟
- كلا ولكن لماذا هذا السؤال ؟
فحدق ريسي في وجهه ثم قال له بصرامة :
- لأن السيدة اوثربون قتلت بمسدسك
فكاد بننجتون يصعق وبدا عليه انه لايصدق اذنيه فقال :
- الحق ان هذه مسألة خطيرة جدا
- خطيرة جدا بالنسبة لك يا مستر بننجتون
- بالنسبة لي أنا ؟..لقد كنت جالسا هنا منصرفا الى الكتابة حينما انطلقت تلك الرصاصة الآثمة
ثم هز رأسه كمن يريد ان ينفض عنه حلما مزعجا وقال :
- ولكن كيف بالله يمكن ان أصعد الى السطح العوي وأقتل هذه المرأة المسكينة ثم لماذا اقتلها وبعد ذلك أهبط الى هنا دون ان يراني أحد والممرات والأسطح زاخرة بالركاب في هذا الوقت من النهار ؟
هذا مستحيل
- وكيف تعلل وقوع الجريمة بمسدسك ؟
- الواقع ان الذنب في هذا ذنبي واللوم يقع على عاتقي وحدي فقد حدثت مناقشة في أول ليلة من ليالي رحلتنا عن الأسلحة النارية ..واذكر اني صرحت اثناءها امام الجالسين في الصالون بأنني احمل دائما في أسفاري مسدسا
- ومن كان اولئك الحاضرون ؟
- لاأستطيع ان احدد بالضبط ..ولكن كان هناك جمع مبير على كل حال فالذنب ذنبي كما ترى
ثم هز رأسه في حزن ودهشة وقال :
- أولا لينيت ثم خادمة لينيت والآن السيدة اوثربون الواقع انه لم يكن هناك داع ابدا لتلك الجريمة
- بل هناك داع يا مستر بننجتون
- أكان هناك داع حقا ؟
- نعم قفد رأت السيدة اوثربون في تلك اللحظة على وشك الإفضاء الينا بأنها رأت شخصا معينا يدخل قمرة لويز بورجيه خادمة لينيت وفيما هي تهم بذكر اسم ذلك الشخص اطلقت عليها الرصاصة القاضية
فتصبب العرق من جبين بننجتون وراح يمسح بمنديله الحريري وهو يتمتم :
- ان هذا لفظيع
وعندئذ قال بوارو :
- يا مسيو بننجتون ..ان لدي رغبة تساورني منذ الصباح في ان أتناقش معك في بعض مسائل
تتعلق بهذه القضية ولاسيما انك صديق قديم حميم لمدام لينيت دويل فهل تتكرم بالحضور الى قمرتي بعد نصف ساعة ؟
- بكل سرور...
ولكن شيئا من السرور لم يكن باديا على وجه بننجتون..فتبادل ريسي وبوارو النظرات وغادرا الحجرة الى سطح السفينة
ولما وصل بوارو والكولونيل ريسي الى سطح السفينة خرجت السيدة الرتون من قمرتها واتجهت
الى بوارو قائلة :
- أليست هناك قمرة مزدوجة أقيم فيها مع الفتاة المسكينة ؟ فانها لا ينبغي ان تعود الى القمرة التي كانت تشارك فيها أمها وقمرتي كما تعلم ليس لها سوى سرير واحد
- أعتقد ان هذا أمر ممكن ترتيبه يا سيدتي
- شكرا ..فانني أعطف على هذه الفتاة فضلا عما تفرضه ظروفها علينا من رعايتها والعناية بها
- وهل لاتزال حزينة متأثرة ؟
- الى أقصى حد اذ يبدو انها كانت شديدة التعلق بأمها ويعتقد تيم ان تلك السيدة كانت تدمن الشراب فهل هذا صحيح ؟
- نعم للأسف ..
- اذن ليس لنا ان ندينها ولكن لاشك ان الفتاة قد لقيت في العيش معها متاعب كثيرة
- نعم هذا صحيح فيما أعلم ..فالفتاة شديدة الإعتزاز بنفسها ولكنها أيضا مخلصة وفية لأمها
- لاريب ان الوفاء هو الصفة الغالبة على هذه الفتاة وقد أعجبني من هذه الفتاة ان وراء ظاهرها المتحفظ باطنا يزخر بالطيبة والحنان والعطف
- أمد الله يا سيدتي على انني وضعت هذه المسكينة بين أيد أمينة
- لك أن تطمئن فاني معنية بها ..وهي تتعلق بي تعلقا شديدا يبعثني على مزيد العناية بها
وعادت السيدة الرتون بعد ذلك الى قمرتها فواصل بوارو السير الى المسرح الفاجعة فاذا بكورنيليا لاتزال واقفة مع جاكلين على سطح السفينة وقد اتسعت حدقتاها فبادرته قائلة :
- لاأزال عاجزة يا مسيو بوارو عن فهم هذه المسألة اذ كيف تسنى للشخص الذي أطلق عليها
الرصاص ان يهرب دون ان نراه ؟
وقالت جاكلين :
- نعم كيف حدث ذلك ؟
- هناك ثلاثة اتجاهات يمكن ان يكون القاتل قد سلك احدها فليس الأمر غريبا كما تتوهمان
فظهرت الدهشة والحيرة على جاكلين وقالت :
- ثلاثة اتجاهات ؟
أما كورنيليا فقالت :
- كان امامه ان يتجه الى اليمين أو الى اليسار ولا أرى لهذين الإتجاهين ثالثا
ولكن جاكلين أجابتها وقد انفرجت أساريرها :
- فهمت ما قصد اليه مسيو بوارو فهو يعني ان القاتل كان يستطيع القفز من فوق السياج الى السطح السفلي
- لم يخطر لي ذلك ..ولكن حتى لو كان خاطف الحرطة..فهل ينفسح امامه الوقت للقيام بهذه
المغمرة دون ان نراه ؟
وعندئذ قال تيم الرتون :
- نعم فهناك دائما دقيقة على الأقل من الشلل تنتاب الناس بعد سماع طلقة نارية
- هل هذا ما شعرت به شخصيا ؟
- نعم فقد وقفت كالثمثال برهة قبل ان أتحرك لأرى ما حدث وفي هذه اللحظة خرج ريسي من قمرة الدكتور بسنر فقال للواقفين :
- أرجو منكم التفرق فاننا نريد ان نخرج الجثة وتفرق الواقفون اما بوارو فمضى معهم فقالت كورنيليا له :
- لن أنسى ما حييت هذه الرحلة ثلاث قتلى لكأني أعيش في كابوس مزعج لاخلاص منه
وسمعها فيرجيسون فقال لها بلهجة هجومية
- ذلك انك مفرطة في التحضر وكان ينبغي ان تنظري الى الموت كما ينظر اليه أهل الشرق فالموت حادث عادي لايكاد يستلفت النظر
- انك تنفر الناس منك بالهذيان بعيوب الحضارة ..ثم ان الموت شيء كريه وموت كل جميل على
الخصوص كارثة وخسارة للبشرية
- انك امرأة صعبة المراس والآن اسمعي يا كورنيليا روبسون انك الأنثىالوحيدة التي حازت اعجابي فهل تتزوجيني ؟
- أنت أحمق
- هذه خطبة حقيقية ولو انها تتم بالطريق التقليدي ولكن لدينا شاهد هو المسيو بوارو فاشهد
يا مسيو بوارو انني طلبت يد هذه الأنثى رسميا على الرغم من جميع مبادئي الخاصة لأني لا
أومن بالإتصال الشرعي بين الجنسين ولكنني لاأعتقد ان هذه الأنثى يمكن ان ترضى باتصال عن غير الطريق الشرعي ولهذا قبلت الوضع الذي تحتمه الظروف والآن يا كورنيليا قولي قبلت
- اني أعتقد انك مخبول
- اماذا بالله لاتريدين ان تتزوجيني ؟
- لأنك لست جادا
- أتعنين لست جادا في طاب يدك او انني لست جادا في طباعي وأخلاقي ؟
- أعني الإثنين ولكني أعني على الخصوص طبعك وخلقك فأنت تسخر من كل ما هو جدي في
الحياة من التربية الى الثقافة الى الموت فانت انسان لايعتمد عليه
واحمر وجهها ثم أسرعت لائذة بقمرتها فجعل فيرجيسون يتتبعها بنظراته ثم قال :
- عليها اللعنة فاني أحسبها تريدني فعلا على ان أكون رجلا يعتمد عليه هذا فعلا شيء مزعج وما رأيك انت يا مسو بوارو في هذه الفتاة ؟
- انها فتاة على جانب عظيم من متانة الخلق
- أصبت فهي ذكية ويبدو على ظاهرها الوداعة والليونة ولكنها ليست رخوة فان شخصيتها صلبة لاتعرف اللين واني أريدها بأي ثمن ..ولذلك لست أرى غضاضة في التفاهم مع خاتها العجوز فان
شويلر فان هذا هو الطريق السليم
- أتطمع ان تكسب ود الآنسة العنس فان شويلر حقا ؟
- أوه كلا انا لم افكر في كسب ودها فذلك جهد لافائدة منه ....وإنما طمعت ان أثيرها ضدي فذلك
خليق ان يرقق قلب الفتاة علي.

ودار فرجيسون على عقبيه وانطلق نحو الصالون المراقبة حيث كانت فان شويلر جالسة في ركنا المألوف وكانت حصتها من العجرفة في هذا اليوم أكبر قليلا من المعتاد وكانت تحيك الصوف بابرتين
حينما اتجه فيرجيسون نحوها وفي أعقابه هركيول بوارو الذي احتل مكانا متواريا على بعد منها وتظاهر بالإستغراق في قراءة مجلة مصورة وبدأ بين الطرفين الحوار التالي :
- طاب صباحك يا آنسة فان شويلر فرفعت فان شويلر عينيها عن الصوف لحظة واحدة لم تزدها ثم تحولت ببصرها الى ابرتها مرة أخرى وتمتمت بفتور
- طاب صباحك
- اسمعي اني أريد ان اتحدث اليك في أمر على جانب عظيم من الأهمية فالمسألة بالضبط انني
راغب في الزواج من ابنة اختك
فانتفضت كرة الصوف التي في حجر فان شويلر وانطلقت تقفز كالمجنونة الى آخر الصالون اما فان
شويلر نفسها فقالت بلهجة تقطر سما ناقعا :
- لابد انك فقدت صوابك ايها الشاب
- كلا على الإطلاق فأنا مصمم على الزواج منها وقد طلبت يدها شخصيا منذ برهة وجيزة
فقالت ببرود :
- أحقا ؟ وأخالها صرفتك الى حال سبيلك ؟
- لقد رفضتني ..ولكني لن انصرف عن طلب يدها ولا ابرح عنها حتى تقبل
- أؤكد لك انني سأتخد الإجراءات اللازمة لوقاية ابنة أختي الشابة من مثل هذا التهجم
- وماذا يحنقك علي ؟ ماذا لديك ضدي ؟
فرفعت فان شويلر حاجبيها وجذبت الخيط جذبة قوية تريد ان تسترجع بها الكرة ولم تنبس بكلمة فاستطرد :
- هيا خبريني ما الذي يحنقك ضدي ؟
- أظن ان المسألة غاية في الوضوح يا ..فأنا لاأعرف اسمك
- فيرجيسون..
فقالت فان شويلر بكل استياء وتأفف :
- آه يا مستر فيرجيسون ان الموضوع الذي تشير اليه خارج عن نطاق البحث ولايمكن ان يكون موضع نظر
- أتعنين انني لست كفؤا لها ؟
- كنت أعتقد ان المسألة غاية في الوضوح حتى بالنسبة لك
- ولماذا ترين اني لست كفؤا لها ؟ ان لي ساقين وذراعين وصحة من فولاذ وذهنا مرتبا قادرا على التفكير فما عيب هذه المؤهلات ؟
- هناك شيء اسمه المركز الإجتماعي يا مستر فيرجيسون
- المركز الإجتماعي خرافة قديمة متعفنة
وفي هذه اللحظة فتح الباب ودخلت كورنيليا فوقفت كالمصعوقة عندما وجدت خالتها المرهوبة الجانب تتحدث مع خاطبها المتهجم اما فيرجيسون فالتفت نحوها وضحك ملىء شدقيه ثم ناداها :
- اقبلي يا كورنيليا وابشري...فاني اطلب يدك للزواج كما ترين على اعتق الطرق التقليدية
فقالت فان شويلر وبصوت رهيب حقا :- كورنيليا هل شجعت هذا الشاب ؟
- انا..كلا...بالطبع لا...على الأقل...ليس بالضبط.
- ماذا تعنين ؟
فأسرع فيرجيسون يقول كي يخرجها من المأزق :
- انها لم تشجعني على الإطلاق وكل ما هنالك انها لم تقف في وجهي وان لها قلبا رقيقا حقا وخالتك يا كورنيليا تقول اني أدنى منك اجتماعيا بكثير فهل هذا رأيك ؟
فقالت فان شويلر
- هذا فيما أظن بديهي جدا لدى كورنيليا
فاحمر وجه كورنيليا وقالت :
- كلا يا مستر فيرجيسون ليس هذا رأيي فلو انني احببتك لتزوجتك بلا نظر الى أي اعتبار
- ولكنك لا تحبينني ؟
- اني اعتقد انك مزعج ومثير للسخط فان آراءك وأفكارك من أفظع وأقبح وأشأم ما سمعت وان لك
لزهوا لايعدله زهو في تبجج سخيف وطفرت الدموع الى عينيها فاندفعت خارجة اما فيرجيسون فقال لآنسة فان شويلر وهو يضطجع في مقعده وينظر الى سقف الغرفة ويصفر :
- هذه على العموم بداية لا بأس بها وسأستمر في مناداتك بخالتي العزيزة
فأخدت فرائص فان شويلر ترتعد غضبا وصاحت :
- اخرج من هنا على الفور و إلا ناديت الخادم
- لقد دفعت ثمن تدكرتي ولاتستطيعون اخراجي من قاعة عامة ومع ذلك فاني سأطيب خاطرك يا خالتي العزيزة
ووقف ثم راح ينبخر خارجا وهو يصفر وظلت فان شويلر بعد ذلك ترتعد وتحاول الوقوف كي تحضر كرة الصوف ولكنها لم تستطع لفرط اضطرابها فخرج بوارو من عزلته واسرع اليها بالكرة فقالت له
- شكرا لك يا مسيو بوارو و أرجو ان تتكرم بارسال الآنسة بويرز فاني أشعر باضطراب مما سببه لي هذا الشاب الوقح
- انه ملحوس قليلا فيما اعتقد ومعظم اعضاء هذه الأسرة على شاكلته انه التدليل المفسد للطباع والتربية وأظنك عرفت شخصيته
- عرفت شخصيته ؟
- انه يسمي نفسه فيرجيسون لأنه لا يريد استخدام وحمل لقبه العتيد رعاية لمبادئه المتطرفة
فوضعت فان شويلر يديها بالصوف في حجرتها وحملقت في وجهه قائلة :
- لقبه العتيد ؟
- طبعا انه اللورد داوليش الشاب وقد ورث ملايين الجنيهات ولكنه اعتنق الشيوعية في أكسفوردواذا بصفحة وجه فان شويلر تتحول الى حلبة معركة تصطرع فيها شتى الإنفعالات المصلحة كبيرة في هذه القضية
فانت تعرف لينيت دويل فيما أعتقد منذ الطفولة
الحقيقة اني عرفتها كما قلت من قبل منذ نعومة أظافرها
- وهل كنت صديقا حميما لوالدها ؟
بلا ريب كنا على اتصال وثيق وصداقة متينة
- الى درجة انك عينت في وصيته وصيا على لبنته وعلى ثروتها الطائلة ؟
- هذه كله صحيح اجمالا ولكني لم اكن الوصي الوحيد طبعا بل كان معي في تلك المهمة شركاء
- ماتوا جميعا بعد ذلك وبقيت انت وحدك
- مات اثنان منهم وبقي على قيد الحياة المستر روكفورد
- شريكك في المكتب وفي التجارة ؟
-نعم
- واعتقد ايضا ان الآنسة لينيت ريدجواي قد بلغت سن الرشد حين تزوجت فجأة ؟
- انها لم تكن تبلغ بعد الحادية والعشرين إلا في يوليو المقبل
- ولو سارت الأمور على ماهي عليه..لما حق لها ان تتسلم ثروتها قبل ذلك التاريخ ؟
- نعم
- ولكن زواجهما المفاجىء غير مجرى الأمور وقلب الأوضاع
- بربكما ماهذا الذي تهدفان اليه من كل هذه الأسئلة ؟
- انك رجل ذكي يا مستر بننجتون فهناك فهناك مسألة الدافع الى الجريمة ولايمكن اغفال الإعتبارات المالية عند معالجتها
- ان وصية ريدجواي تنص على ان تتسلم لينيت ثروتها عند بلوغها الحادية والعشرين او بمجرد زواجها اذا تزوجت قبل ذلك التاريخ بلا قيد ولاشرط
- وثروتها تقدر بملايين فيما اعتقد ؟
- نعم تقدر بالملايين
واعتقد يا بننجتون ان مسؤولياتك انت وشريكك كانت ثقيلة جدا في هذه السنوات
- نحن متعودان على المسؤولية في عملنا فلا يركبنا بسببها القلق
- اني لأعجب مما تقول
- ماذا تعني بحق الشيطان
- ان عجبي راجع الى تقديري ان ذلك الزواج المفاجىء لابد قد احدث ارتباكا في خطط مكتبك
- ان اعمال المكتب على أكمل وجه
- ألم يتملكك الإنزعاج عندما وصلت اليك انباء زواج لينيت ريدجواي حتى انك أقلعت بأول باخرة الى مصر حيث تصنعت الإلتقاء بها على وجه المصادفة - ان ما تقوله لهو الهذيان بعينه يا مسيو بوارو فانني لم اكن أعلم بزواج لينيت قبل وصولي الى القاهرة ولذلك ذهشت دهشة تامة ولابد ان خطاب لينيت وصل الى نيويورك بعد سفري وقد حول الي فتسلمته بعد اسبوع في القاهرة
- تقول انك حضرت على ظهر الباخرة كارمانك ؟
هذا صحيح
- وان الخطاب وصلك الى نيويورك بعد اقلاعها منها ؟
- لقد كررت هذا مرارا من قبل
- ان هذا لمن أعجب العجب فان حقائبك لاتحمل أي بطاقة من بطاقات كارمانك بل بطاقات الباخرة
نورماندي التي ابحرت من نيويورك بعد ابحار كارمانك بيومين
فظهرت الحيرة على وجه بننجتون وبدأ يترنح...فاستطرد بوارو قائلا :
لاجدوى من الإنكار انت اذن قد تسلمت خطاب لينيت ريدجواي في نيويورك
- يبدو انه ليس أمامي الآن إلا التسليم فقد غلبني ذكاؤكما على أمري ولكن الواقع انه كانت لدي دوافع كافية لسلوك هذا المسلك ايها السادة
- ونحن على أشد ما يكون من اللهفة لمعرفة هذه الدوافع
- يسوؤني في الواقع ان أقول انني لاحظت في المدة الأخيرة شيئا من الإضطراب المريب في أعمال
لينيت التي يتولاها محاميها في انجلترا و عللت النفس بقرب بلوغها سن الرشد ولكنني بذلك الزواج المباغث من رجل انجليزي مجهول فعولت على اكتشاف الحقيقة بنفسي بغير ازعاج للينيت
ولم أجد من اللائق ان اقحم عجوزا مثلي على شهر العسل لشابين لأسباب مالية بعيدة كل البعد عن ذلك الجو العاطفي ولم يهدني تفكيري الى خير من هذه الطريقة في اصطناع الصدفة فدوافعي
نزيهة بعكس ما ذهبتما اليه
- الحقيقة يا مسيو بننجتون اننا لانصدق حرفا واحدا من كلامك
- تصدقان او لاتصدقان سيان
- اننا نعتقد ان زواج لينيت المفاجىء أطاش صوابك لأضطراب ادارتك المالية لتركتها فقررت الحضور على عجل للبحث عن مخرج لك بأي شكل وفكرت في الحصول على توقيعها على وثائق اعددتها
لهذا الغرض معتمدا على ان انشغالها بشهر العسل سوف يمنعها من التدقيق في الإطلاع على الوثائق قبل التوقيع فلما خاب أملك افتعلت سقوط الصخرة ونحن على الشاطىء امام معبد أبي سنبل كي تسحقها ولكنها نجت بأعجوبة
- انت مخبول
- وقد سمحت لك ظروف أخرى بالقضاء على لينيت دويل في أثناء العودة من وادي حلفا بحيث تلقى الشبهة على شخص آخر وقد ثبت لنا يقينا ان مسدسك هو الذي انطلقت منه الرصاصة التي قتلت السيدة اوثربون وهي على وشك الإفضاء باسم قاتل لينيت ثم لويز
وعندئذ ثارت ثائرة بننجتون وصاح :
- ما هذا الهذيان ؟ وأي سبب يدعوني لقتل لينيت ؟ انني لاأطمع في ان أرثها حتى أقتلها بل يرثها
زوجها فلماذا لا تأخدان بخناقه ؟
- ان سيمون دويل لم يغادر الصالون طول السهرة التي قتلت خلالها زوجته ثم بعد ذلك رقد سائر
الليل مكسور الساق محقونا بالمورفين في قمرة الدكتور بسنر ولهذه الإعتبارات جميعا يستحيل
ان يكون هو قاتل زوجته
وانت اذا استخدمت ذكاؤك وكنت في مكاني يا مستر بننجتون وجدت ان الزوج الوارث الطيب القلب الذي يوقع الأوراق دون تمحيص أسلس قيادا من الزوجة الذكية الحصيفة ...فمن من مصلحة الوصي
المتلاعب المختلس المبدد ان تموت الزوجة ويرث الزوج مالها ليوقع الأوراق التي ما كانت لتوقعها هي وبذلك يحصل الوصي على تسوية لحساباته تنقذه من السجن والإفلاس وان كانت نتيجها خسارة قد تصل الى مئات الألوف تتحملها تركة ريدجواي ويضاف الى ذلك ان سيمون دويل يجهل كل شيء عن اعمال زوجته المتشعبة زممتلكاتها فهو خليق ان يطلق يدك في ادارة التركة كما كنت
وعندئذ هز بننجتون كتفيه ثم قال :
- اقسم انني تعثرت فاذا الحجر يسقط بالمصادفة وليس هناك أي اثبات ضدي
- ربما..
فنهض وقد عاوده شيء من التجلد ثم خرج.

ممكن تعليق(واحد)بليز

قصص مشابهة:
الآراء والتعليقات على القصة
أفضل القصص و الروايات حسب الأكثر قراءة: